ابن قيم الجوزية
241
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وأجود من هذا : ما فهمه المبرد من الآية ، قال : كأن كفرهم لم يكن باديا لهم ، إذا خفيت عليهم مضرته . ومعنى كلامه : أنهم لما خفيت عليهم مضرة عاقبته ووباله ، فكأنه كان خفيا عنهم ، لم تظهر لهم حقيقته . فلما عاينوا العذاب ظهرت لهم حقيقته وشره . قال : وهذا كما تقول لمن كنت حدثته في أمر قبل : قد ظهر لك الآن ما كنت قلت لك . وقد كان ظاهرا له قبل هذا . ولا يسهل أن يعبر عن كفرهم وشركهم الذي كانوا ينادون به على رؤوس الأشهاد ويدعون إليه كل حاضر وباد بأنهم كانوا يخفونه ، لخفاء عاقبته عنهم . ولا يقال لمن أظهر الظلم والفساد ، وقتل النفوس وسعى في الأرض بالفساد : إنه أخفى ذلك ، لجهله بسوء عاقبته ، وخفائها عليه . فمعنى الآية - واللّه أعلم بما أراد من كلامه - : أن هؤلاء المشركين لما وقفوا على النار ، وعاينوها وعلموا أنهم داخلوها ، تمنوا أنهم يردون إلى الدنيا فيؤمنون باللّه وآياته ، ولا يعودون إلى تكذيب رسله . فأخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك ، وأنهم ليس في طبائعهم ولا سجاياهم الإيمان بل سجيتهم الكفر والشرك والتكذيب وأنهم لو ردوا لكانوا بعد الرد كما كانوا قبله . وأخبر أنهم كاذبون في زعمهم : أنهم لو ردوا لآمنوا وصدقوا . فإذا تقرر مقصود الآية ومرادها تبين معنى الإضراب ب « بل » وتبين معنى الذي بدا لهم ، والذي كانوا يخفونه ، والحامل لهم على قولهم : « يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا » فالقوم كانوا يعلمون أنهم في الدنيا على باطل ، وأن الرسل صدقوهم فيما بلغوهم عن اللّه ، وتيقنوا ذلك وتحققوه ، ولكنهم أخفوه ولم يظهروه بينهم ، بل تواصوا بكتمانه . فلم يكن الحامل لهم على تمني الرجوع والإيمان معرفة ما لم يكونوا يعرفونه من صدق الرسل ، فإنهم كانوا يعلمون ذلك ويخفونه . وظهر لهم يوم القيامة ما كانوا ينطوون عليه